فخر الدين الرازي

232

تفسير الرازي

لفيفاً ) * ( الإسراء : 104 ) وفي الساق قولان : القول الأول : أنه الأمر الشديد ، قال أهل المعاني : لأن الإنسان إذا دهمته شدة شمر لها عن ساقه ، فقيل للأمر الشديد : ساق ، وتقول العرب : قامت الحرب على ساق ، أي اشتدت ، قال الجعدي : أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها * وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا ثم قال : والمراد بقوله : * ( التفت الساق بالساق ) * أي التفت شدة مفارقة الدنيا ولذاتها وشدة الذهاب ، أو التفت شدة ترك الأهل ، وترك الولد ، وترك المال ، وترك الجاه ، وشدة شماتة الأعداء ، وغم الأولياء ، وبالجملة فالشدائد هناك كثيرة ، كشدة الذهاب إلى الآخرة والقدوم على الله ، أو التفت شدة ترك الأحباب والأولياء ، وشدة الذهاب إلى دار الغربة والقول الثاني : أن المراد من الساق هذا العضو المخصوص ، ثم ذكروا على هذا القول وجوهاً أحدها : قال الشعبي وقتادة : هما ساقاه عند الموت أما رأيته في النزع كيف يضرب بإحدى رجليه على الأخرى والثاني : قال الحسن وسعيد بن المسيب : هما ساقاه إذا التفتا في الكفن والثالث : أنه إذا مات يبست ساقاه ، والتصقت إحداهما بالأخرى . ثم قال تعالى : * ( إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ) * . المساق مصدر من ساق يسوق ، كالمقال من قال يقول ، ثم فيه وجهان أحدهما : أن يكون المراد أن المسوق إليه هو الرب والثاني : أن يكون المراد أن السائق في ذلك اليوم هو الرب ، أي سوق هؤلاء مفوض إليه . * ( فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى * وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى شرح كيفية عمله فيما يتعلق بأصول الدين وبفروعه ، وفيما يتعلق بدنياه . أما ما يتعلق بأصول الدين فهو أنه ما صدق بالدين ، ولكنه كذب به ، وأما ما يتعلق بفروع الدين ، فهو أنه ما صلى ولكنه تولى وأعرض ، وأما ما يتعلق بدنياه ، فهو أنه ذهب إلى أهله يتمطى ، ويتبختر ، ويختال في مشيته ، واعلم أن الآية دالة على أن الكافر يستحق الذم والعقاب بترك الصلاة كما يستحقهما بترك الإيمان . المسألة الثانية : قوله : * ( فلا صدق ) * حكاية عمن ؟ فيه قولان : الأول : أنه كناية عن الإنسان في قوله : * ( أيحسب الإنسان ألّن نجمع عظامه ) * ( القيامة : 3 ) ألا ترى إلى قوله : * ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) * ( القيامة : 36 ) وهو معطوف على قوله : * ( يسأل أيان يوم القيامة ) * ( القيامة : 6 ) والقول الثاني : أن الآية نزلت في أبي جهل .